الجصاص

25

الفصول في الأصول

ومنهاجا ) ( 1 ) وهذا يوجب أن تكون شريعة لكل واحد من الأنبياء غير شريعة الآخرين . الجواب : أما ما ذكره من استدلال إبراهيم عليه السلام على التوحيد ، وأن قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 2 ) راجع إليه ومقصور عليه دون غيره ، فإنه غير موجب لما ذكر ، من قبل أن اسم الهدى يتناول ما أبان الله تعالى من الدلائل على توحيده ، وعدله ، وسائر صفاته ، ويتناول أيضا ما أنزل على أنبيائه من أحكام شرائعه ، قال الله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) ( 3 ) فسمى ما في التوراة من أحكام الشرع هدى ، وقال تعالى : ( ألم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ( 4 ) والقرآن يشتمل على : موجبات أحكام العقول التي لا يجوز الاختلاف فيها ، وعلى الشرائع التي طريق معرفة إدراكها السمع ، ثم سمى الجميع هدى ، فدل أن اسم الهدى لا يختص بما في العقل إيجابه ، ( 5 ) دون ما يدل السمع على وجوبه ، وإذا كان ذلك كذلك ، اقتضى عموم قوله تعالى : ( فبهداهم اقتده ) ( 6 ) الاقتداء بهم في جميع ما سمى هدى ، ولا يجوز لأحد الاقتصار به على الاستدلال على التوحيد دون أحكام الشرائع ، لأنه تخصيص بلا دلالة . وأيضا : فإن قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 7 ) كلام قائم بنفسه يصح ابتداء الخطاب به ، وكل كلام هذا حكمه فهو محمول على ما يقتضيه ظاهر لفظه ، ولا يجوز تضمينه لغيره إلا بدلالة ، فوجب من أجل ذلك حمله على عمومه على حسب ما اقتضاه حكم لفظه . وأما قوله : إنه قد ذكر آباءهم وذرياتهم وإخوانهم ، وأنه لم يكونوا كلهم أنبياء ذوي شرائع ، وقد أمر مع ذلك بالاقتداء بهم ، فدل أن المراد الاستدلال على التوحيد ، فليس بموجب لما ذكره ، من قبل أنه أوجب بالآية الاقتداء بالأنبياء المذكورين فيها ، ثم عقبه بذكر من اقتدى بهم من آبائهم ، وإخوانهم ، وذرياتهم ، واتبع سنتهم ، فأمر بالاقتداء بهم أيضا ،